الشيخ السبحاني

69

سيد المرسلين

الشعوب لا يتورعون عن التوسل بأية وسيلة ، والاستفادة من اية واقعة في سبيل تحقيق مآربهم حتى أنهم لا يتأخرون عن التذرع بترويج الخرافات والأساطير القديمة بين الشعوب للوصول إلى سدة الحكم ، أو البقاء فيها ما أمكنهم ذلك . ولو اتفق أن كانوا رجالا موضوعيين ومنطقيين فإنهم في هذه الحالة دافعوا عن تلك الخرافات والأوهام والأساطير التي لا تنسجم مع اي مقياس عقلي بحجة الحفاظ على التراث القومي ، أو احترام رأي أكثرية الشعب ، أو ما شابه ذلك من الحجج المرفوضة . ( 1 ) ولكنّ رسول الإسلام لم يكتف بإبطال المعتقدات الخرافية التي كانت تلحق الضرر به ، وبمجتمعه ، بل كان يكافح ويحارب بجميع قواه كل أسطورة أو خرافة شعبية أو فكرة فاسدة باطلة ، تخدم غرضه ، وتساعد على تحقيق التقدم في دعوته ويسعى إلى أن يجعل الناس يعشقون الحقيقة لا ان يعبدوا الخرافات ، ويكونوا صحايا الأساطير والأوهام ، وإليك واحدا من هذه المواقف العظيمة على سبيل المثال لا الحصر . لمّا مات إبراهيم بن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وهو ابنه الوحيد ، حزن عليه النبي حزنا شديدا فكانت تنحدر الدموع منه على غير اختيار ، واتفق ان انكسفت الشمس في ذلك اليوم أيضا ، فذهب المولعون بالخرافة في ذلك المجتمع ( العربي ) على عادتهم إلى ربط تلك الظاهرة بموت إبراهيم واعتبار ذلك دليلا على عظمة المصاب به فقالوا : انكسفت الشمس لموت ابن رسول اللّه ، فصعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله المنبر وقال : « أيّها الناس انّ الشمس والقمر آيتان من آيات اللّه يجريان بأمره ، ومطيعان له ، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا انكسفا ، أو أحدهما صلّوا » . ثم نزل من المنبر فصلى بالناس صلاة الكسوف وهي ما تسمى بصلاة الآيات « 1 » .

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 91 ص 155 .